الشنقيطي

21

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

على أنه لم يرجمه ، حتى شهد على نفسه أربع شهادات كما رأيت في الحديث المذكور آنفا ، وقد علمت مما ذكرنا ما استدل به كل واحد من الفريقين . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي : هو الجمع بين الأحاديث الدالة على اشتراط الأربع ، والأحاديث الدالة على الاكتفاء بالمرة الواحدة ، لأن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن ، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي ، عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبسا في صحة عقله ، واختلاله ، وفي سكره ، وصحوه من السكر ، ونحو ذلك . وحمل أحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من عرفت صحة عقله وصحوه من السكر ، وسلامة إقراره من المبطلات ، وهذا الجمع رجحه الشوكاني في نيل الأوطار . ومما يؤيده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز ، وقد دلت روايات حديثه أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان لا يدري أمجنون هو أم لا ، صاح هو أو سكران . بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفا . أبك جنون وسؤاله صلى اللّه عليه وسلّم لقومه عن عقله ، وسؤاله صلى اللّه عليه وسلّم أشرب خمرا ، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ، وكل ذلك ثابت في الصحيح ، وهو دليل قوي على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا والعلم عند اللّه تعالى . فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول : [ أن الظاهر اشتراط التصريح ينفي كل احتمال ] اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحد الذي هو الزنى تصريحا ينفي كل احتمال ، لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنى على ما ليس موجبا للحد . ويدل لهذا قوله صلى اللّه عليه وسلّم لماعز لما قال : إنه زنى « لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت ؟ قال : لا . قال : أفنكتها لا يكنى قال : نعم . قال فعند ذلك أمر برجمه » « 1 » وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس ، ويؤخذ منه التعريض للزاني بأن يستر على نفسه ، ويستغفر اللّه فإنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا . الفرع الثاني : [ إذا تمت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم الزاني بأن أقر مرة واحدة ] اعلم أنه إذا تمت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم الزاني المشهود عليه ، بأن أقر أنه زنى مرة واحدة فصارت الشهادة تامة ، والإقرار غير تام عند من يشترط أربعا . فأظهر قولي أهل العلم عندي : أن الحد يقام عليه لكمال البينة خلافا لمن زعم أنه لا يقام عليه الحد ، لأن شرط صحة البينة الإنكار ، وهذا غير منكر .

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في المحاربين من أهل الكفر والردة حديث 6824 ، وأبو داود في الحدود حديث 4427 ، وأحمد في المسند 1 / 238 ، 270 .